ابن تيمية
4
مجموعة الرسائل والمسائل
فصل اعلم - هداك الله وأرشدك - أن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده ولا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر ، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم ، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة ، بل وهم أيضاً لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه ، ولهذا يتناقضون كثيراً في قولهم ، وإنما يتخيلون شيئاً ويقولونه أو يتبعونه ، ولهذا قد افترقوا بينهم على فرق ، ولا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم ، مع استشعارهم أنهم مفترقون ، ولهذا لما بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم ، وسر مذهبهم ، صاروا يعظمون ذلك ، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم ، وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف ، كما تبذله النصارى لرؤسائهم ، والإسماعيلية لكبرائهم ، وكما بذل آل فرعون لفرعون . وكل من يقبل قول هؤلاء فهو أحد رجلين إما جاهل بحقيقة أمرهم ، وإما ظالم يريد علواً في الأرض وفساداً ، أو جامع بين الوصفين . وهذه حال أتباع فرعون الذين قال الله فيهم " فاستخف قومه فأطاعوه " وحال القرامطة مع رؤسائهم ، وحال الكفار والمنافقين في أئمتهم الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون " إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا " إلى آخر الآية وقوله " وألعنهم لعناً كبيرا " وقال تعالى " ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً - إلى قوله - وما هم بخارجين من النار " . فصل اعلم أن حقيقة قول هؤلاء أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة ، ولهذا من سماهم حلولية أو قال هم قائلون بالحلول رأوه محجوباً عن معرفة قولهم خارجاً عن الدخول إلى باطن أمرهم ، لأن من قال أن الله يحل في المخلوقات فقد قال بأن المحل غير الحال ، وهذا تثنية عندهم وإثبات لموجودين ( أحدهما ) وجود الحق الحال ( والثاني ) وجود المخلوق المحل